في الذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان
د. منذر الكوثر في العاشر من شهر كانون الأول ديسمبر عام 1948 صدر هذا الإعلان عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. ونحن، في منظمة شهود نحو التسامح، إذ نرى في فقرات هذا الإعلان واحدة من أعظم انجازات الإنسانية على مر التاريخ ونعدها سيرا في طريق القيم السمحاء التي دعت اليها الأديان وكذلك الدعوات الإصلاحية والأخلاقية الكبرى على مر التاريخ، نرى في الوقت نفسه أن العالم قد شهد تراجعا خطيرا عن مسيرة تطبيق هذه المباديء والإلتزام بها. ففي حين يتوقع المنطق السليم، وبعد مرور سبعة وخمسين عاما على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أن تتقلص مظاهر التنكيل بالبشر أو الحط من كرامتهم وتعرضهم للمارسات التي لايستسيغها قانون اخلاقي سماوي ولا وضعي، ولاترتضيها فطرة سليمة، في هذا الوقت نجد أن تلك الأفعال مازالت تمارس على نطاق واسع وفي مختلف بقاع العالم وبحجج وذرائع شتى.
والأمر الأكثر سوءا أن نجد أن الدول التي سعت جاهدة قبل ستة عقود الى اصدار الإعلان العالمي لحقوق الانسان ومنها دول عظمى صارت تعطي ايحاء بأنها باتت تضيق ذرعا بذلك الاعلان وتتوسل الذرائع للتخلص من التزاماتها به، في حين أن كثيرا من الدول الأخرى (دول العالم الثالث) مازالت مستمرة في انتهاكاتها وتجاوزاتها لحقوق الإنسان، بل انها باتت ترى في مواقف الدول الكبرى ونكوصها تشجيعا لها على الإستمرار في تلك الأعمال اللاإنسانية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية نجد ان مجموعة كبيرة من البشر يحتجزون من دون توجيه تهم محددة لهم ومن دون محامين أو محاكمات من أي نوع، وثمة تقارير عن (تصدير) الولايات المتحدة لمشتبه بهم الى بلدان تمارس التعذيب بغية انتزاع اعترافات. وتضيف التقارير أن الرحلات الجوية لنقل هؤلاء الأفراد من الولايات المتحدة الى تلك البلدان تقتضي محطات وسطية وأن دولا أوربية شرقية وغربية قد وفرت تلك المحطات مما يعني وجود تواطيء دولي للتآمر على كرامة الإنسان.
إننا في منظمة شهود نحو التسامح نرى أن تلك الإنتهاكات الجديدة وهذا التطور الخطير في التجاوز على الإنسانية قد أعقب موجة من التطرف الفكري على شكل تطرف ديني شهدها العالم في أكثر من مكان. فالأفكار والمباديء التي حملها ودعا اليها تنظيم القاعدة تمثل نموذجا متطرفا من فهم الإسلام قل أن شهد له تاريخ هذا الدين مثيلا، وهذا الفهم أدى بأتباع هذا التنظيم بأن يرتكبوا من الأفعال ما لايرضى به عقل ولا دين من قتل للأبرياء وتصويره على أنه أمر يرضي الله. وفي الوقت نفسه فإن تطرف جهة يؤدي الى تطرف في الجهة الأخرى، فكانت الحرب على الإرهاب التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية وماترتب عليها من خسائر في أرواح المدنيين الأبرياء واعتقالات تعسفية وسجون وفضائح تعذيب رد فعل مبالغ فيه وتطرف حقيقي، إذ أن الإنسان لايفعل خيرا اذا انتقم لقتل بريء بقتل بريء آخر. ثمة ضرورة ملحة لوقف التطرف والنظر والتعامل باعتدال وحكمة الى مختلف الأزمات والتوترات في مختلف بقاع العالم.
إننا في شهود نرى أن الحط من كرامة أي انسان إنما هو حط من كرامة الإنسانية جمعاء. وأن الممارسات اللاإنسانية ينبغي أن لا يتم غض الطرف عنها لأنها ليست من مسؤولية فرد واحد أو مجموعة أفراد بل هي من مسؤولية جميع أبناء النوع البشري. ينبغي على كل إنسان أن يحتج ويرفع صوته عاليا للمطالبة بوقف أي انتهاك أو ظلم يقع على أي انسان مهما بعد مكانه أو اختلف عرقه أو دينه أو ثقافته. إن السكوت عن الإنتهاك تشجيع له والتشجيع على الإنتهاك إنما هو إنتهاك آخر.
إن الوسيلة التي نرى أنها جديرة بالتبني والإتباع في هذا الوقت هي أن يرى كل انسان في نفسه مسؤولا عن مواجهة التطرف داخل نفسه وخارجها، وأن يحاول محاصرة هذا التطرف بغية القضاء عليه من أجل عالم يعم فيه التسامح والإعتدال والنظر الى كل إنسان بأنه شبيه ونظير بدلا من النظر اليه على أنه مناقض أو مريب.
*رئيس شهود





أضف تعليقك