إسرائيل” والإفلات من العقاب | الرئيسية | الرئيسية

إسرائيل” والإفلات من العقاب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عبد الحسين شعبان

       لم تكن عملية اغتيال محمود المبحوح في دولة الإمارات العربية المتحدة من الموساد “الإسرائيلي” حدثاً استثنائياً، ف”إسرائيل” تصرفت بيقينية مثل كل مرّة بأنها ستفلت من العقاب، ولذلك تعاملت مع المجتمع الدولي باستخفاف وبرودة أعصاب لا مثيل لها.

 

     ولعل الفضيحة (الجريمة) “الإسرائيلية” واستخدام جوازات سفر مزوّرة لعدد من دول أوروبا، أثار مجدداً مسألة الإفلات من العقاب ووضعها بقوة على بساط البحث، فما السبيل لملاحقة “إسرائيل” وإنزال العقاب بالمرتكبين؟ جدير بالذكر أن إصرار دولة الإمارات على الإمساك بخيوط الجريمة وملاحقة المرتكبين، هو سابقة مهمة لا بدّ من دعمها ومساندتها وصولاً الى تحقيق العدالة وعدم ترك الجناة يفلتون من العقاب.

 

     أسوق هذه المقدمة بمناسبة صدور تقرير مهم لمنظمة الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بمرور عام على حرب “إسرائيل” على غزة، وهو تقرير فيه الكثير من التوازن والنقاط الإيجابية والاعتبارات المهنية. فالفيدرالية الدولية هي من أقدم وأعرق منظمات حقوق الإنسان الدولية، حيث تأسست في باريس العام 1922 وتضم 155 منظمة وطنية في أكثر من 100 دولة، وقد سبق لي أن انتقدت بعض مواقفها في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية تحديداً، منذ مؤتمر ديربان حول العنصرية في العام 2001 أو تقريرها بشأن الحرب “الإسرائيلية” على لبنان في يوليو/تموز العام ،2006 وهو الأمر الذي جرى تلافيه إلى حدود كبيرة في تقريرها الحالي على الصعيدين الحقوقي والإنساني.

 

لعل الشيء الجديد في مسألة الإفلات من العقاب هو ما قامت به منظمات حقوقية “إسرائيلية” وفلسطينية في توثيق الجرائم والانتهاكات، لدرجة جعلت من مؤسسات المجتمع المدني راصداً ورقيباً ومشاركاً في المساءلة.

 

      نظرياً وحسب القانون الدولي الإنساني وفي العالم المتمدن اليوم لا يمكن بسهولة الإفلات من العقاب رغم اختلال توازن القوى وتحكّم قوى مهيمنة على نظام العلاقات الدولية، لكن هناك الكثير من الاعتبارات القانونية والإنسانية والأخلاقية التي تجعل من مبدأ المساءلة والملاحقة أمراً راهنياً وملحّاً، وبالتالي يمكن أن يكون “ممكناً”، سواءً كانت الانتهاكات المرتكبة من طرف أشخاص أو جهات رسمية أو غير رسمية أو بموافقتها، لتحديد المسؤولية الجنائية والمدنية، وهو ما ينطبق على “إسرائيل” بشكل خطير، خصوصاً انتهاكها لاتفاقية جنيف الرابعة (1949)، الخاصة بحماية المدنيين في أوقات النزاع المسلح.

 

     ولا شك في أن هذه الانتهاكات الخطيرة ترتّب مسؤولية على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أيضاً، لا سيما في مواجهة سؤال كبير يتمحور حول: كيف يمكنهما تأمين وحفظ السلم والأمن الدوليين وحماية مبادئ العدالة؟ ولعل الهوة السحيقة بين المبادئ والواقع تُظهر حجم التواطؤ الدولي، وبخاصة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باعتبارهما شريكين للحكومة “الإسرائيلية”. ومثل هذا الموقف هو ما ذهبت إليه الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان في تطور جديد ومهم عندما عرضت آراء ووجهات نظر المنظمات العضوة في تقريرها الأخير الصادر في شهر ديسمبر/كانون الأول العام 2009 حول ما سمته عملية الرصاص المسكوب” في قطاع غزة.

 

        تتذرع “إسرائيل” بأن حربها ضد غزة ليست نزاعاً مسلحاً لأن فلسطين أو قطاع غزة (الحكومة المُقالة) أو السلطة الوطنية الفلسطينية (الحكومة المُعينة) ليست دولة، وبالتالي فهي غير معنية بتطبيق اتفاقيات جنيف لعام 1949 أو اتفاقيات لاهاي لعام ،1907 ورغم بطلان مثل هذا الادعاء بخصوص النزاع المسلح، فإن “إسرائيل” سواءً وقعت على بروتوكولي جنيف الملحقين، الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة. والثاني، الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية (1977) أو لم توقّع عليهما، فهي ملزمة باحترام القواعد العامة الآمرة Jus Cogens) ) للقانون الدولي الإنساني والعام، لا سيما بشأن حماية المدنيين.

 

وحسب اتفاقية روما لتأسيس المحكمة الجنائية الدولية وميثاقها، فإن الاستهداف المباشر للمدنيين يعتبر جريمة حرب طبقاً للمادة الثامنة (الفقرة -ب)، حيث قامت الآلة العسكرية “الإسرائيلية” بتدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي ابتداء من خزانات المياه والآبار ومواسير المجاري ومحطات معالجة مياه الصرف ولوحات التوزيع والمباني الإدارية والمركبات وغيرها.

 

       يضاف إلى ذلك الاستخدام غير الشرعي لبعض الأسلحة مثل القنابل الفوسفورية والصواريخ المسمارية والمتفجرات العنقودية وقذائف اليورانيوم المخضّب وغيرها، لا سيما في مناطق مزدحمة ومأهولة سكانياً، الأمر الذي يحرّمه القانون الدولي الإنساني كذلك.

 

وإذا افترضنا أن القانون الدولي الإنساني، يتطلب تحديد المسؤولية الجنائية لملاحقة المرتكبين، فإن التحقيقات “الإسرائيلية” بهذا الخصوص، كانت قاصرة، وإن فرص تحقيق العدالة في “إسرائيل” وأمام المحاكم “الإسرائيلية” ضئيلة إن لم تكن معدومة تماماً وهو ما انتقدته منظمات “إسرائيلية”، فهل يُفترض بالمرتكب التحقيق مع نفسه، وبالذات هو الذي استخدم الأسلحة غير القانونية، وبشكل خاص القنابل الفوسفورية، فهل يُعقل أن يُعاقب نفسه بنفسه؟

 

يقول غولدستون في تقريره حول تقصي الحقائق إن النظام القانوني والقضائي “الإسرائيلي” غير متسق مع المعايير الدولية، وهو لا يترك سوى مساحة ضئيلة لإيجاد آليات فعّالة ومحايدة للتحقيق أو لمساعدة الضحايا، وهو يقوم على مواد تمييزية تجعل العدالة صعبة المنال بالنسبة للضحايا الفلسطينيين، ولعل تحقيقات لجنة أور وغيرها من اللجان السابقة تؤكد هذه الحقيقة التي ذهب إليها غولدستون.

 

وإذا كان تحقيق العدالة غير ممكن في إطار القضاء “الإسرائيلي” فهل سيفلت الجناة من العقاب أو يُتركون يسرحون ويمرحون من دون مساءلة؟ كما حدث مؤخراً في قضية اغتيال محمود المبحوح، وهو ما ينصرف إليه الذهن دولياً، لا سيما بتوفر آليات قانونية دولية لضمان تحمّل المسؤولية الجنائية والمدنية، من خلال اللجوء إلى المحاكم الوطنية تحت سيادة الولاية الدولية المتعلقة بالجرائم الخطيرة أو الذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية.

إن الولاية الدولية تقرّ بملاحقة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة في أية دولة بغض النظر عن المكان الذي ارتكبت فيه الجرائم مثل: التطهير العرقي وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم التعذيب وجرائم الاختفاء القسري وغيرها، وذلك نظراً لفداحة هذه الجرائم وتأثيرها في المجتمع الدولي ككل والالتزام بمعاقبة مرتكبيها، وذلك عبر تقديمهم إلى القضاء الوطني في إطار الولاية الدولية.

 

بعد صدور تقرير غولدستون، صادق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على تقرير بعثة تقصي الحقائق بالقرار الصادر يوم 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2009 (الدورة الثانية عشرة)، ثم رُفع التقرير إلى الأمين العام للأمم المتحدة الذي نقله إلى مجلس الأمن، وهو ما ينبغي متابعته، لا سيما من جانب مؤسسات المجتمع المدني كي لا يفلت المرتكبون من العقاب، وقد حرّكت عملية اغتيال المبحوح هذا الملف الذي ينبغي أن يكون مفتوحاً حتى تتحقق العدالة المفقودة.

 

 

أضف إلى: Add to your del.icio.us | Digg this story

Subscribe to comments feed التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
5.00